القرطبي
93
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
148 باب ما جاء في عظم جهنم وأزمّتها وكثرة ملائكتها ، وفي عظم خلقهم وتفلّتها من أيديهم وفي قمع النبي صلى اللّه عليه وسلم إياها وردها عن أهل الموقف ( مسلم ) عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها » « 1 » . وذكر ابن وهب قال : حدّثني زيد بن أسلم ، قال : جاء جبريل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فناجاه ، فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم منكس الطرف ، فأرسلوا إلى علي فقالوا : يا أبا الحسن ما بال النبي صلى اللّه عليه وسلم محزونا منذ خرج جبريل عنه ؟ فأتاه عليّ فوضع يده على عضديه من خلفه ، وقبّل بين كتفيه ، وقال : ما هذا الذي نراه منك يا رسول اللّه ؟ فقال : يا أبا الحسن أتاني جبريل فقال لي : إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [ الفجر : 21 ] الآية ، وجيء بجهنم تفاد بسبعين ألف زمام ، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك ، فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة انفلتت من أيديهم ، فلو لا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع فأخذوها « 2 » . وذكر أبو حامد في كتاب « كشف علوم الآخرة » : أنهم يأتون بها تمشي على أربع قوائم ، وتقاد بسبعين ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك ، بيد كل واحد حلقة ، لو جمع حديد الدنيا كله ما عدل منها بحلقة واحدة ، على كل حلقة سبعون ألف زبني ، لو أمر زبني منهم أن يدك الجبال لدكّها ، وأن يهد الأرض لهدها ، وأنها إذا انفلتت من أيديهم لم يقدروا على إمساكها لعظم شأنها ، فيجثو كل من في الموقف على الركب حتى المرسلون ، ويتعلق إبراهيم وموسى وعيسى بالعرش هذا قد نسي الذبيح ، وهذا قد نسي هارون ، وهذا قد نسي مريم عليهم السلام ، وكل واحد منهم يقول : نفسي نفسي ؛ لا أسألك اليوم غيرها . قال : وهو الأصح عندي . ومحمد صلى اللّه عليه وسلم يقول : أمتي أمتي ، سلّمها يا رب ونجها يا ربّ ، وليس في الموقف من تحمله ركبتاه وهو قوله تعالى : وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً [ الجاثية : 28 ] الآية ، وعن تفلّتها تكبو من الغيظ والحنق ، وهو قوله تعالى : إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2842 ) . ( 2 ) لا يصح .